«دب»، «غبي»، «فاشل»… كيف تترك الإساءة اللفظية جروحًا نفسية عميقة في الأطفال؟
قد تبدو الكلمات عابرة، لكنها بالنسبة للطفل قد تتحول إلى ندوب نفسية دائمة.
يحذر مختصون في الصحة النفسية والطب النفسي من أن الإساءة اللفظية تُعد من أخطر أشكال العنف الأسري، لما تتركه من آثار نفسية وسلوكية وعصبية عميقة قد تمتد إلى مراحل متقدمة من العمر، بل وقد تكون أخطر من العنف الجسدي في بعض الأحيان.
لماذا تُعد الإساءة اللفظية خطيرة إلى هذا الحد؟
يلجأ بعض الآباء والأمهات إلى عبارات مثل:
«كسول»، «غبي»، «فاشل»، «اذهب بعيدًا»، «لا فائدة منك»
معتبرين إياها وسيلة للتأديب أو التفريغ النفسي، إلا أن المختصين يؤكدون أن هذه الكلمات تهاجم القيمة الذاتية للطفل، وتتحول مع التكرار إلى معتقدات راسخة ترافقه مدى الحياة.
ماذا يقول العلم؟ التأثير المباشر على الدماغ
أظهرت دراسات علمية أن التعرض المزمن للإساءة اللفظية قد يؤدي إلى تغيرات بنيوية في دماغ الطفل، من أبرزها:
- انخفاض حجم الجسم الثفني (Corpus Callosum)، المسؤول عن التواصل بين نصفي الدماغ، والتنسيق الحركي والمعرفي
- زيادة نشاط اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي مركز معالجة الخوف والغضب والتهديدات، مما يرفع مستويات التوتر والقلق
ونظرًا لأن الجهاز العصبي للطفل يتشكل عبر التقليد والاكتساب من البيئة المحيطة، فإن اعتماد الصراخ والإهانات كأسلوب تربية يومي يُدخل الدماغ في حالة تأهب دائم، ويؤثر سلبًا على التعلم والتركيز وتنظيم المشاعر.
الآثار النفسية والسلوكية على الطفل
يكشف الأطباء عن استقبالهم حالات متكررة لأطفال يعانون من:
- قلق مزمن أو اكتئاب خفي
- انخفاض شديد في تقدير الذات
- صعوبة في التركيز والتعلم
- خوف من الفشل أو الرفض
- انسحاب اجتماعي أو سلوك عدواني
ويؤكد المختصون أن كثيرًا من الأطفال يبدون هادئين ظاهريًا، بينما يعانون داخليًا من ألم نفسي عميق وغير مرئي.
من ضحية إلى متنمّر… أو طفل صامت
يشير الخبراء إلى أن الطفل المُهان في المنزل قد:
- يصبح ضحية للتنمر بسبب ضعف ثقته بنفسه
- أو يتحول إلى متنمّر يفرغ ما يتعرض له في الآخرين
كما تزرع الإهانة المنزلية مفهومًا خاطئًا للعلاقات قائمًا على القوة لا الاحترام، فيفقد الطفل شعوره بالأمان، وتتحول العلاقة الأسرية من احتواء إلى خوف أو صراع صامت.
آثار تمتد إلى مرحلة البلوغ
يوضح الأطباء النفسيون أن العديد من البالغين الذين يعانون من:
- قلق مزمن
- اكتئاب
- علاقات غير مستقرة
- جلد ذات قاسٍ
- شعور دائم بالذنب أو عدم الاستحقاق
يكتشفون لاحقًا أن جذور معاناتهم تعود إلى أنماط نفسية تشكلت في الطفولة نتيجة الإساءة اللفظية.
المدرسة… مرآة الألم النفسي
تؤكد المختصات التربويات أن آثار العنف اللفظي لا تقتصر على المنزل، بل تظهر في المدرسة على شكل:
- ضعف التحصيل الدراسي
- الخوف من المشاركة
- انسحاب اجتماعي
- أو سلوك عدواني دفاعي
فالطفل الذي يعيش في توتر دائم لا يستطيع التعلم بفاعلية، لأن العقل المشغول بالخوف لا يستوعب المعرفة.
السخرية والمقارنة… من أخطر أشكال العنف اللفظي
يحذر المستشارون الأسريون من أن السخرية والمقارنة بين الأطفال تزرع الكراهية والمهانة والرغبة في الانتقام، وتؤدي إلى جروح نفسية قد تظهر لاحقًا في شكل قطيعة أو اغتراب عاطفي عن الوالدين.
هل الصراخ ينجح في التربية؟
تشدد الاستشارات الأسرية على أن التربية القائمة على الصراخ والتهديد قد تُسكت الطفل مؤقتًا، لكنها تُنتج على المدى البعيد طفلًا:
- عنيدًا
- عدوانيًا
- متمردًا في مرحلة المراهقة
بدائل تربوية صحية
ينصح المختصون بـ:
- تجنب النقاش أثناء نوبات الغضب
- الابتعاد المؤقت حتى تهدأ المشاعر
- مناقشة السلوك بهدوء دون المساس بكرامة الطفل
- استخدام التوجيه والحدود بدل التخويف
فالطفل يحتاج إلى الأمان والاحتواء لا الإهانة.
هل يمكن العلاج بعد فوات الأوان؟
الخبر الجيد أن العلاج ممكن.
تؤكد الدراسات أن العلاج النفسي مثل:
- العلاج السلوكي المعرفي
- علاج القبول والالتزام
- العلاج الموجّه للصدمات
- العلاج النفسي الديناميكي
يساعد بشكل كبير على إعادة بناء صورة الذات وتقليل الآثار طويلة الأمد للإساءة اللفظية.
رسالة أخيرة للآباء والأمهات
أخطر ما قد يسمعه الطفل هو ما يطعن في قيمته الإنسانية، مثل:
«أنت بلا فائدة»
«ليتك لم تولد»
فهذه العبارات قد تتحول إلى معتقدات ملازمة مدى الحياة.
الكلمات تُشكّل الدماغ.
الكلمات تُشكّل المستقبل.
والتربية القائمة على الاحترام والوعي ليست ضعفًا، بل هي أقوى حماية للصحة النفسية للطفل.

.webp)
